شمس الدين محمد حافظ شيرازى (تعريب: ابراهيم امين الشواربي)

23

غزليات حافظ (أغاني شيراز)

ما امتلأ به من رياء ونفاق ، فأخذت تتغنى بالطيبة الحقة وبالصلاح الحق ، وبالتقوى الصحيحة والإيمان الصادق ، وأخذت تدفع عن النفوس ما أصابها من ضيم جلبه إليها الرياء والنفاق ، وما أدركها من شر ألحقه بها الزهد المصطنع والتعفف الكاذب . فإذا فرغ من موضوعه هذا غناك ب‍ « الحب والشباب » فأثار النفوس إلى محبوب جميل تجد المتعة في محادثته وحواره ، والراحة في ملازمته والهدوء إلى جواره ، واللذة فيما يبدي من حسنه وجماله ، والرقة فيما تدرك من عناقه ووصاله . فإذا أحس لواعج الشوق تتقد في صدرك ، وحرارة الوجد تستعر بين ضلوعك أخذ يغنيك ب‍ « الخمر والشراب » ، فقدم إليك كأسا مزاجها الطرب والمرح ، ودعاك بشربها إلى البهجة والفرح ، ثم سألك بعد ذلك أن تغسل بها الصدأ الذي علا مرآة القلب ، وسبب لك الحزن والكرب ، وأعاد على مسمعك أبياته الجميلة : أيامنا الدواني خرافة الأماني * الغنم فيها قربى من الحبيب دارا في روضة غنت لي عنادل أشجتني * « هات الصبوح هيا يا أيها السكارى » فالخمر إن أسموها : أم الخبائث طرا * « أشهى لنا وأحلى من قبلة العذارى » أيامنا إن ضاقت ، نحسو بها البواقي * فهذه إكسير يضحى الفتى جبارا لا تقترب لعتابي ، والخمر ملء ثيابي * يا شيخنا المنقّى ! أبغ لنا الأعذارا ( ترجمة الغزل 10 ) وأنا لا أود أن أنساق في بيان موضوعات حافظ أكثر من ذلك فالحديث فيها لا ينتهي ، وقد خصصت الجزء الرابع من رسالتي عن حافظ لهذه الموضوعات ؛ وليتني أستطيع أن أقول - بعد كل ما ذكرته في الرسالة وفي هذه الكلمة الموجزة - أنني انتهيت من حافظ وموضوعاته ، فقد حدثنا الشاعر الألماني « جوته » في « ديوانه الشرقي الغربي » ، بأن المشتغل بحافظ لا يستطيع أن يفرغ منه ، وأن القارئ لشعره لا يستطيع أن يتحول عنه ، فقال مخاطبا شاعر إيران : أنت يا « حافظ » لا تؤذن بانتهاء وهذه عظمتك ولا عهد لك بابتداء وهذه قسمتك وشعرك كالفلك يدور على نفسه بدايته ونهايته سيان وما يرد في وسطه يرد فيما هو لاحق أو سابق بأجلى بيان إنك نبع الشعر الذي يصل بالأماني إلى الأوج